وهبة الزحيلي
264
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
السماوات والأرض من العقلاء وغيرهم من الملائكة والإنس والجن والجمادات ، ومنها الطير الباسطات القابضات أجنحتها حال طيرانها في جو السماء لكيلا تسقط ، تنزيها يدركه المتأمل بعقله السليم ؛ إذ تكوينها بخصائصها المتفاوتة يدل بذاته على وجود الخالق لها . والتنزيه يدل على اتصاف الخالق بجميع صفات الكمال ، ويبطل قول الكفار الذين جعلوا الجمادات شركاء للّه ، ونسبوا إليه الولد ، وهي من مخلوقاته وإيجاده . قال مجاهد وغيره : الصلاة للإنسان ، والتسبيح لما سواه من الخلق . وذكر الطير مع دخولها بما سبق لما فيها من دلالة خاصة على بديع الصنع الإلهي ، وكمال القدرة الإلهية ، ولطف التدبير لمبدعها ؛ لأن وقوف الأشياء الثقيلة في الجو أثناء الطيران حجة واضحة على كمال قدرة الخالق المبدع . والافتتاح بقوله أَ لَمْ تَرَ يشير إلى أن تسبيح الكائنات للّه عزّ وجلّ أمر واضح يصل إلى حد العلم الذي لا شك فيه . كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ أي كل واحد مما ذكر قد علم اللّه صلاته وتسبيحه ، أي أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة اللّه عزّ وجلّ . واللّه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه شيء من أفعالهم ، سواء في حال الطاعة أو المعصية ، ومجازيهم عليها . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي إن اللّه تعالى مالك جميع ما في السماوات والأرض ، وهو الحاكم المتصرف فيهما خلقا وإماتة ، وهو الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ، ولا معقّب لحكمه ، وإليه وحده مصيرهم ومعادهم يوم القيامة ، فيحكم فيه بما يشاء ، ويجازي بما أراد ، كقوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم 53 / 31 ] .